آمِنٌ اليوم، فماذا عن الغد؟

نعلم منذ ثلاثين عامًا أن التشفير المستخدم اليوم سيُكسر يومًا ما، وكل ما نجهله هو التاريخ. والخطر الحقيقي ليس يوم تشغيل الحاسوب الكمّي، بل أن حركة البيانات المشفّرة اليوم تُسجَّل بالفعل.

آمِنٌ اليوم، فماذا عن الغد؟

عند ذكر الحاسوب الكمّي يتبادر إلى الذهن المشهد نفسه دائمًا: نستيقظ ذات صباح وقد شغّل أحدهم تلك الآلة، فانكسرت كل الشيفرات وانتهى العالم. هذا المشهد خاطئ. لكن لا تدع ذلك يطمئنك، فالسيناريو الواقعي أشدّ مكرًا.

يقوم معظم التشفير الذي نستخدمه اليوم على صعوبة تحليل الأعداد الكبيرة إلى عواملها. ويستغرق ذلك ملايين السنين على حاسوب تقليدي. وفي عام 1994 أثبت بيتر شور أن الحاسوب الكمّي قادر على إنجازه في زمن معقول. أي أننا نعلم منذ ثلاثين عامًا أن التشفير سيُكسر يومًا ما. والشيء الوحيد الذي نجهله هو التاريخ.

الخطر ليس يوم تشغيل الآلة

هنا تبدأ المسألة الحقيقية. وللخطر اسم: "اجمع الآن وفكّ التشفير لاحقًا".

تسجّل الدول والجهات الجادة حركة البيانات المشفّرة اليوم. الشيفرات لا تُكسر الآن، ومع ذلك تُخزَّن. وحين تنضج الحوسبة الكمّية بما يكفي ستنكشف تلك الأرشيفات. وكل وثيقة نخفيها خلف تشفير نظنّه غير قابل للكسر قد تكون اليوم على قرص أحدهم.

لذلك ينبغي طرح هذا السؤال: كم سنة يجب أن تبقى بياناتك سرّية؟

إن كانت سلة تسوّق إلكترونية فالجواب "بضعة أيام"، ولا مشكلة. أما إن كانت ملف موظف أو سجلًّا طبيًّا أو عقد توريد لعشر سنوات فالجواب يتغيّر. فكل بيانات ذات عمر سرّية طويل تقع داخل مخاطرة تُتَّخذ اليوم.

كم من الوقت أمامنا؟

تضع IBM مثلًا الحوسبة الكمّية المقاوِمة للأخطاء في عام 2029. وهذا هدف الشركة المتفائل بنفسها، وقد رأينا في هذا المجال انزياح الجداول الزمنية كثيرًا.

إذن ليس غدًا. لكن "ليس غدًا" و"لا يعنينا" ليسا الشيء نفسه. فتغيير البنية التحتية للتشفير في مؤسسة يستغرق سنوات: إعداد الجرد، والضغط على المورّدين، واستبدال الأنظمة القديمة. وهذا عمل لا يُبدأ به يوم وصول الحوسبة الكمّية.

جدول مَن نحسبه جدولنا؟

حين أوردت تلك التواريخ افترضت ضمنًا أننا نعرف أين وصلت الحوسبة الكمّية. والحقيقة أن كل ما نعرفه هو أين وصل من يعلنون أعمالهم فيها.

تعلن IBM عدد الكيوبتات في معالجها، وتنشر خارطة طريقها، وحين تخفق في بلوغ هدفها نرى ذلك أيضًا. وتفعل Google الأمر نفسه. فهذه شركات مدرجة في البورصة، تنشر الأبحاث وتسجّل براءات الاختراع. جدولها معروف لنا.

فماذا عمّن لا يناسبه الإعلان؟ من السذاجة توقّع هذا القدر من الشفافية من برنامج عسكري أو استخباراتي. وأيًّا كانت الدولة، فإخفاء التقدّم أمر طبيعي. فقدرة كسر الشيفرات لا تبلغ أقصى قيمتها إلا ما دامت سرّية، وآخر ما تفعله دولة تجاوزت تلك العتبة هو أن تعلن عنها.

هذه ليست نظرية مؤامرة، بل نتيجة لطبيعة القدرة نفسها. والنتيجة هي أننا نخطّط وفق خارطة طريق الجهات المعلنة، بينما قد يكون البرنامج المهم فعلًا هو غير المرئي. ولا يمكننا معرفة حجم الفارق.

لذا ينبغي قراءة تواريخ مثل 2029 أو 2033 لا بوصفها ضمانًا بل تقديرًا متفائلًا. ضع ذلك في حسبانك عند تقدير عمر سرّية بياناتك.

ابدأ الآن

أولًا. أعِدّ جردًا. حدّد أي نظام يستخدم أي تشفير.

ثانيًا. صنّف بياناتك بحسب عمر سرّيتها وقيمتها.

ثالثًا. اجعل دعم التشفير المقاوم للحوسبة الكمّية بندًا في مواصفات المشتريات الجديدة. فإطار الأمان الذي يوفّره النظام الذي تشتريه اليوم بالغ الأهمية.

رابعًا. قيّم محيطك. فأمن مورّديك هو أمنك.

نوعان من الخطأ

الأول هو الذعر: الحوسبة الكمّية لا تصل غدًا، والتشفير لا ينهار الليلة. والثاني، وهو الأشيع، هو اللامبالاة والقول "نحن شركة صغيرة، من يسجّل بياناتنا؟". فمن يسجّل البيانات لا ينظر إلى هويتك بل إلى حركة الشبكة.

خطر معروف منذ ثلاثين عامًا يقترب أجله. والعمل المطلوب مملّ، وغير مكلف، ويمكن توزيعه على الزمن. المهم أن يبدأ.